الخصومات الوهمية وتضخيم السعر الأصلي: الحكم الشرعي وما يحاسب عليه القانون

حكم الخصومات الوهمية — حلال ماركتنج

راجعه شرعيًا: خالد أمين — ليسانس أصول الدين والدعوة، جامعة الأزهر 2018 · آخر تحديث: 18 سبتمبر 2026

«كان بـ 500 وصار بـ 250» — وهو لم يُبع يومًا بـ 500. هذه أكثر خدعة تسويقية انتشارًا في المتاجر العربية، وأكثرها قبولًا عند من يمارسها: «الكل يفعل ذلك، والعميل يعرف». لكن الفقه لا يعرف حجة «الكل يفعل ذلك»، والقانون في مصر والسعودية صار يحاسب عليها بغرامات معلنة.

هذا المقال يفصّل صور الخصم الوهمي، وحكمها الشرعي، وموقف القانون منها، ثم كيف تعمل خصمًا حقيقيًا يبيع أكثر من الوهمي. ولا نكتبه من بعيد: نحن نرفض تنفيذ هذه العروض لعملائنا ونخسر بسببها تعاقدات أحيانًا.

صور الخصم الوهمي كما تحدث فعلًا

  • تضخيم السعر الأصلي: كتابة سعر مشطوب لم يُبع به المنتج قط، ليبدو السعر الحالي خصمًا.
  • رفع السعر قبل الموسم ثم خصمه: يرتفع السعر أسبوعًا قبل الجمعة البيضاء أو رمضان، ثم يعود إلى ما كان عليه باسم «خصم 40%».
  • الخصم الدائم: العدّ التنازلي الذي ينتهي ويبدأ من جديد، و«العرض لمدة 24 ساعة» المستمر منذ سنة.
  • المقارنة بسعر منتج آخر: «قيمته في السوق 1,000» وهو يقارن بمنتج مختلف أعلى جودة.
  • خصم تُسترد قيمته من بند آخر: المنتج بخصم 50% والشحن بضعف سعره.

الحكم الشرعي: لماذا هو كذب وليس «ذكاء تسويقيًا»؟

المسألة لا تحتاج اجتهادًا طويلًا. السعر المشطوب خبر، والخبر إما صدق وإما كذب. و«كان بـ 500» وهو لم يكن كذب صريح في البيع، وقد جاء في الحديث أن البيّعين إن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما. وهو فوق ذلك تغرير يدفع المشتري إلى قرار ما كان ليتخذه لو علم الحقيقة، وهذا عين الغش الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «من غش فليس مني».

وذهب أكثر المعاصرين إلى أن البيع نفسه صحيح والمال ملك للبائع، لكنه آثم بالكذب، وللمشتري حق الفسخ إن تبيّن له أن الخصم وهمي وأنه خُدع به. ومن العلماء من شدّد أكثر فعدّ الفارق المتحصّل بالخدعة مالًا مشبوهًا. وفي الحالين، لا قول معتبر يبيحه.

أما حجة «العميل يعرف أنها خدعة» فتسقط من وجهين: لو كان يعرف فلماذا تفعلها؟ ولو كان لا يعرف فأنت تخدعه. وقد فصّلنا ضوابط العروض الجائزة في ضوابط الإلحاح والندرة وفي ضوابط عروض اشترِ واحدة واحصل على أخرى.

موقف القانون في السعودية ومصر

  • في السعودية: وزارة التجارة تشترط ترخيصًا مسبقًا للتخفيضات، وتلزم التاجر بأن يكون السعر السابق سعرًا حقيقيًا بيع به فعلًا خلال مدة محددة قبل العرض، وتعدّ الإعلان عن خصم وهمي ممارسة مضللة يُعاقب عليها بالغرامة والتشهير. من لا يملك سجل أسعاره السابقة لا يستطيع الدفاع عن خصمه.
  • في مصر: قانون حماية المستهلك يجرّم الإعلان المضلل والبيانات الكاذبة عن السعر، ولجهاز حماية المستهلك سلطة التحقيق في الشكاوى وفرض الغرامات. والشكوى صارت بضغطة زر من الهاتف.

التفاصيل والمواد تتغير، والمبدأ واحد في البلدين: السعر المشطوب يجب أن يكون سعرًا حقيقيًا بيع به فعلًا. واللافت أن القانون وصل إلى ما قاله الفقه منذ أربعة عشر قرنًا: البيّنة على البائع.

ثلاثة عروض من الواقع وحكم كل منها

  • متجر عبايات: العباية تُباع بـ 350 ريالًا منذ ستة أشهر، وفي العرض كُتب «كانت 600». كذب صريح، ومخالفة نظامية لأن السعر المشطوب لم يُبع به قط.
  • مركز تدريب: الدورة بـ 3,000 جنيه طوال العام، وفي الصيف أُعلن «خصم الصيف: 2,400 بدل 3,000 حتى 31 أغسطس» ثم عاد السعر فعلًا. جائز ومحترم: سعر أصلي حقيقي، ومدة محددة التُزم بها.
  • متجر إلكترونيات: الجهاز بـ 1,200 ريال، رُفع قبل الجمعة البيضاء بأسبوع إلى 1,600 ثم أُعلن «خصم 25%: 1,200». السعر النهائي لم يتغير، لكن العميل اشترى على أنه يوفر 400 ريال. تغرير محرّم، وهو الصورة التي ترصدها الجهات الرقابية بمقارنة الأسعار قبل الموسم وبعده.

القاعدة التي تحسم الحالات كلها: هل المعلومة التي بنى عليها العميل قراره صحيحة؟ إن كانت فالعرض جائز مهما كبرت النسبة، وإن لم تكن فهو غش مهما صغُر الفارق.

لماذا يخسر الخصم الوهمي تجاريًا أيضًا؟

  • العميل يتحقق في ثوانٍ. إضافات المتصفح ومواقع المقارنة تعرض تاريخ السعر، ومن يكتشف الخدعة لا يعود ولا يسكت.
  • تدرّب جمهورك على الانتظار. من يعرف أن الخصم دائم لا يشتري بالسعر العادي أبدًا، فتخسر هامشك للأبد.
  • المنصات الإعلانية ترفضه. سياسات الإعلان في جوجل وميتا تعدّ السعر المضلل مخالفة تُوقف الحساب.
  • البركة. وهذه لا تُقاس في تقرير، لكن من تاجر يعرفها.

كيف تعمل خصمًا حقيقيًا يبيع أكثر؟

  • اشطب سعرًا بعته به فعلًا واحتفظ بسجل يثبت ذلك. هذا وحده يحميك شرعًا وقانونًا.
  • اذكر سبب الخصم: نهاية موسم، كمية محدودة بعيب بسيط، إخلاء مخزن. السبب الصادق يقنع أكثر من النسبة الكبيرة.
  • حدد مدة حقيقية والتزم بها. عرض ينتهي فعلًا يعلّم جمهورك أن كلمتك تُصدّق، فيشتري في العرض التالي بلا تردد.
  • خصم للولاء بدل خصم للجميع: العميل العائد أرخص من الجديد بخمس مرات، ومكافأته لا تحتاج سعرًا مشطوبًا.
  • بيع القيمة بدل الخصم: هدية حقيقية، ضمان أطول، شحن مجاني فعلًا. تفاصيل كتابة العرض الصادق في كيف تكتب إعلانًا صادقًا يبيع؟.

ماذا تفعل لو كنت تمارسها الآن؟

أوقفها من اليوم بلا إعلان، وابدأ سجل أسعار حقيقيًا، وخلال شهر واحد يصبح عندك سعر أصلي تستطيع أن تخصم منه بصدق. أما ما مضى فتوبة وردّ ما أمكن ردّه، ولو بمكافأة لعملاء سابقين بلا تبرير. ولا تخف على المبيعات: في مشاريعنا رأينا أن العرض الصادق بسبب واضح يبيع أكثر من الوهمي في الموسم الثاني، لأن الثقة تراكمت.

وتذكّر أن العميل الذي اشترى منك بسعر صادق مرة واحدة يعود بلا خصم، والذي خُدع مرة واحدة لا يعود بأي خصم. الصدق في السعر أرخص وسيلة تسويق تملكها، ولا تحتاج ميزانية.

ما لا نفعله — مهما كان العائد

  • لا نكتب سعرًا مشطوبًا لم يُبع به المنتج فعلًا.
  • لا نصمم عدًا تنازليًا يعود من جديد، ولا «آخر 3 قطع» وهي مئة.
  • لا نرفع سعرًا قبل موسم لنخصمه فيه.
  • نعتذر عن الحملة إن أصرّ العميل على خصم وهمي، وقد حدث.

أسئلة شائعة

هل يجوز شطب سعر المنافسين للمقارنة؟

تجوز المقارنة إن كانت صادقة ولنفس المنتج وموثّقة بتاريخ، وبصيغة واضحة «سعر السوق» لا «كان بـ». ولا تجوز إن قورن بمنتج أعلى جودة أو بسعر قديم.

هل المال المكتسب من خصم وهمي حرام؟

البيع عند أكثر المعاصرين صحيح والمال ملك للبائع مع الإثم وحق المشتري في الفسخ، ومن العلماء من شدّد في الفارق. في مسألة بعينها استفتِ أهل العلم.

هل تحتاج ترخيصًا لكل خصم في السعودية؟

التخفيضات المعلنة للجمهور تحتاج ترخيصًا من وزارة التجارة عبر منصتها الإلكترونية، والتفاصيل تتغير، فراجع موقع الوزارة قبل كل حملة. الترخيص سهل، والمخالفة غالية.

الخطوة العملية

لو كنت تدير متجرًا أو نشاطًا خدميًا وتريد عروضًا تبيع بلا كذبة واحدة، نراجع عروضك الحالية ونقول لك ما يُبقى وما يُغيّر في استشارة أولى مجانية. وفي صفحة إدارة الحملات الإعلانية قائمة ما نرفضه كاملة — اقرأها قبل أن تراسلنا.

احجز استشارة مجانية